مكتب المحامي محمد خضر صلاحات

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي
مكتب المحامي محمد خضر صلاحات

منتدى قانوني متخصص

نرحب بكم في منتديات العدالة والقانون مكتب المحامي محمد خضر صلاحات ونتمنى ان تكونوا من اعضاء المنتدى *** ادارة المنتدى
أقسم بالله العظيم أن أكون مخلصا للوطن وأن أؤدي أعمالي بأمانة وشرف كما تقتضيها القوانين والأنظمة وأن أحافظ على سر مهنة المحاماة وان احترم قوانينها وتقاليدها
منتديات العدالة و القانون * تشريعات * نصوص * مبادئ * ابحاث * دراسات* كليات* حقوق انسان* ابداع* تميز * صحافة* سياسة.
مكتب المحامي محمد خضر صلاحات - فلسطين - نابلس - عمارة ابسيس - الطابق الثاني - مقابل بنك فلسطين
للتواصل معنا تلفاكس: 092381093 - جوال: 0598160092

    أسرتي و طفولتي - نثر - نزار قباني

    شاطر

    Admin
    Admin

    عدد المساهمات : 369
    تاريخ التسجيل : 06/03/2010
    العمر : 35
    الموقع : www.adala.alafdal.net

    أسرتي و طفولتي - نثر - نزار قباني

    مُساهمة من طرف Admin في الأربعاء أكتوبر 30, 2013 10:47 pm

    أسرتي و طفولتي

    في التشكيل العائلي, كنت الولد الثاني بين أربعة صبيان و بنت, هم المعتز و رشيد و صباح و هيفاء.

    أسرتنا من الأسر الدمشقية المتوسطة الحال. لم يكن أبي غنياً و لم يجمع ثروة, كل مدخول معمل الحلويات الذي كان يملكه, كان ينفق على إعاشتنا, و تعليمنا, و تمويل حركة المقاومة الشعبية ضد الفرنسيين.

    و إذا أردت تصنيف أبي أصنفه دون تردد بين الكادحين, لأنه أنفقخمسين عاماً من عمره, يستنشق روائح الفحم الحجري, و يتوسد أكياس السكر, و ألواح خشب السحاحير..

    و كان يعود إلينا من معمله في زقاق (معاوية) كل مساء, تحت المزاريب الشتائية كأنه سفينة مثقوبة..

    و إني لأتذكر وجه أبي المطلي بهباب الفحم, و ثيابه الملطخة بالبقع و الحروق, كلما قرأت كلام من يتهمونني بالبرجوازية و الأنتماء إلى الطبقة المرفهة, و السلالات ذات الدم الأزرق..

    أي طبقة.. و أي دم أزرق.. هذا الذي يتحدثون عنه؟

    إن دمي ليس ملكياً, و لا شاهانياً, و إنما هو دم عادي كدم آلاف الأسر الدمشقة الطيبة التي كانت تكسب رزقها بالشرف و الإستقامة و الخوف من الله..

    وراثياً, في حديقة الأسرة شجرة كبيرة..كبيرة..إسمها أبو خليل القباني. إنه عم والدتي و شقيق جد والدي..

    قليلون منكم_ربما_ من يعرفون هذا الرجل.

    قليلون من يعرفون أنه هز مملكة, و هز باب (الباب العالي) و هز مفاصل الدولة العثمانية, في أواخر القرن التاسع عشر.

    أعجوية كان هذا الرجل. تصورووا إنساناً أراد أن يحول خانات دمشق التي كانت تزرب فيها الدواب إلى مسارح..و يجعل من دمشق المحافظة, التقية, الورعة..(برودواي) ثانية..

    خطيرة كانت أفكار أبي خليل.و أخطر ما فيها أنه نفذها.. و صلب من أجلها..

    أبو خلبل القباني كان إنسكلوبيديا بمئة مجلد و مجلد.. يؤلف الروايات, و يخرجها, و يكتب السيناريو, و يضع الحوار الحوار, و يصمم الأزياء, و يغني و يمثل, و يرقص, و يلحن كلام المسرحيات, و يكتب الشعر بالعربية و الفارسية.

    و حين كانت دمشق لا تعرف من الفن المسرحي غير خيمة (قره كوز) و لا تعرف من الأبطال, غير أبي زيد الهلالي, و عنترة, و الزير..كان أبو خليل يترجم لها راسين عن الفرنسية..

    و في غياب العنصر النسائي, اضطر الشيخ إلى إلباس الصبية ملابس النساء, و إسناد الأدوار النسائية إليهم, تماماً مثلما فعل شكسبير في العصر الفيكتوري.

    و طار صواب دمشق, و أصيب مشايخها, و رجال الدين فيها بإنهيار عصبي, فقاموا بكل ما يملكون من وسائل, و سلطوا الرعاع عليه ليشتموه في غدوه و رواحه, و هجوه بأقذر الشعر, و لكنه ظل صامداً, و ظلت مسرحياته تعرض في خانات دمشق, و يقبل عليها الجمهور الباحث عن الفن النظيف.

    و حين يئس رجال الدين الدمشقيون من تحطيم أبي خليل, ألفوا وفداً ذهب إلى الأستانة و قابل الباب العالي, و أخبره أن أبا خليل القباني يشكل خطراً على مكارم الأخلاق, و الدين, و الدولة العلية, و أنه إذا لم يغلق مسرحه, فسوف تطير دمشق من يد آل عثمان..و تسقط الخلافة.

    طبعاً خافت الخلافة على نفسها, و صدر فرمان سلطاني بإغلاق أول مسرح طليعي عرفه الشرق و غادر أبو خليل منزله الدمشقي إلى مصر, و ودعته دمشق كما تودع كل المدن المتجرة موهوبيها, أي بالحجارة, و البندورة, و البيض الفاسد..

    و في مصر, التي كانت أكثر إنفتاحاً على الفن, و أكثر فهماً لطبيعة العمل الفني, أمضى أبو خليل بقية أيام حياته, و وضع الحجر الأول في بناء المسرح الغنائي المصري.

    إن انقضاض الرجعية على أبي خليل, هو أول حادث استشهاد فني في تاريخ أسرتنا..و حين افكر في جراح أبي خليل, و في الصليب الذي حمله على كتفيه, و في ألوف المسامير المغروزة في لحمه, تبدو جراحي تافهة..و صليبي صغيراً صغيراً

    فأنا أيضاً ضربتني دمشق بالحجارة, و البندورة, و البيض الفاسد..حين نشرت عام 1954 قصيدتي (خبز و حشيش و قمر)..

    العمائم نفسها التي طالبت بشتق أبي خليل طالبت بشنقي..و الذقون المحشوة بغبار التاريخ التي طلبت رأسه طلبت رأسي..

    (خبز و حشيش و قمر) كانت أول مواجهة بالسلاح الأبيض بيني و بين الخرافة..و بين التاريخين..

    1970


    _________________

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس نوفمبر 23, 2017 2:51 pm